ساكورا | قصة
ساكورا
على قمة الجبل العجوز الذي يَعرف -لكنه فقط لا يتكلم كثيرًا- كل حكايات تلك البلاد في أقصى الأرض حيث تستيقظ الشمس أولًا كل يوم، وفي ذلك الزمان الذي كانت الأشجار فيه تُعرف بأسمائها الحقيقية، عاشت (ساكورا) شجرة الكَرَز الصغيرة الوحيدة التي لم تكن تعرف عن نفسها غير اسمها.
لم يكن أحد يعرف شيئًا تقريبًا عن أشجار الكرز، فقد كانت (ساكورا) هي شجرة الكرز الأولى التي تعرفها تلك البلاد وربما كل البلاد، ولم يكن بينها وبين الأشجار الأخرى شَبَه كبير لكنها كانت أقرب الموجودات إليها على الأقل، لذا كانت تقضي معظم الوقت في مراقبتها وملاحظة الاختلاف العجيب في أحجامها وأشكالها وألوانها، وكانت الزهور بشكلٍ خاص هي أكثر ما يشغلها، فقد كانت ترى الأشجار تتمايل بفخر في مواسم إزهارها وهي تنشر أطيافًا من العطور الملونة، فتشعر عندئذٍ أن الشجر كله لم يُخلَق إلا من أجل تلك اللحظة.
وكانت الأعوام تمضي وزهور الأشجار الأخرى تولد وتموت وتُبعث من جديد، وأغصان (ساكورا) لا تحمل سوى القليل من الأوراق والكثير من الخوف. وكان السؤال الصامت يتمكَّن من قلبها يومًا بعد يوم: "متى يُزهر الكرز؟"
ومرَّت يومًا رياح داعبت مياسم الزهور، ونشرت مزيج عطورها في كل الأنحاء، ففكرت (ساكورا): "هذه الرياح طافت بكل أنواع الزهور، فلعلها تعرف زهور الكرز". سألَتها حين اقتربت: "أيتها الرياح الطيبة، أخبريني متى يُزهر الكرز؟"
دارت الرياح حول أغصانها دورتين، وهمسَت: "لا أعرف في الحقيقة، لكنني أعرف أن الرياح تهب في كل لحظة، لكن الكرز -للأسف- لا يُزهر في كل لحظة."
وكانت الشمس تتوهج فتبدد زرقة السماء، ففكرت (ساكورا): "الشمس تعرف أكثر بالتأكيد، فوجودها ضروري لحياة كل الزهور وكل الأشجار". سألَتها في أدب: "أيتها الشمس العظيمة، أخبريني متى يُزهر الكرز؟"
توهجت الشمس أكثر وقالت: "لا أعرف في الحقيقة، لكنني أعرف أن الشمس تشرق كل يوم، لكن الكرز -للأسف- لا يُزهر كل يوم."
وتهادَى خرير المياه في النهر القريب، ففكرت (ساكورا): "في الماء سر الحياة كلها، فربما يعرف النهر سر الكرز!". سألَته وهي تتأمل المياه الرائقة: "أيها النهر الرحيم، أخبرني متى يُزهر الكرز؟"
أبطأ النهر من سرعته قليلًا، وهو يقول: "لا أعرف في الحقيقة، لكنني أعرف أن النهر يفيض كل عام، لكن الكرز -للأسف- لا يُزهر كل عام."
وكادت (ساكورا) حينها أن تتيبَّس حزنًا، لولا أنها شعرت بالأرض تهتز من تحتها، وسمعت صوتًا هادرًا يقول: "أنا أعرف شيئًا عن زهور الكرز، فأنا -ككل الجبال- أُولَد مرة واحدة، وأنا -ككل الجبال- أعيش طويلًا جدًا. وزهور الكرز -مثل الجبال- تُولَد مرة واحدة وتعيش طويلًا جدًا، لكنها -غير الجبال- لا تعيش في المكان الذي وُلدَت فيه إلا قليلًا."
تأملت (ساكورا) الهلال الصغير الشاحب الذي ظهر فجأة في السماء مكتسيًا بلون وردي غريب، ولم تعرف إذا كانت كلمات الجبل هي التي ألقت في قلبها تلك الرهبة، أم هو مشهد الهلال الوردي الخافت، أم هي تلك الرياح الغريبة التي لم تَزُر قمة الجبل قبل هذه الليلة.
كانت الرياح تحمل عطرًا خفيفًا غير مألوف، أخذ ينتشر مع حركة الهواء، ونظرت (ساكورا) إلى الهلال كان قد صار بدرًا في لحظات! وشعرت أن النور الوردي يتسرب داخل عروقها. وعندما امتزج العطر تمامًا بالنور الذي كان قد غمر كل شيء، رأت زهور الكرز تتفتح فوق أغصانها بلون القمر الوردي وعطر الرياح الخفيف.
مرت لحظات توقف فيها قلب الكون ذاته عن النبض، قبل أن يبدأ القمر في التآكل بنفس سرعة نموه، ويخبو عطر الرياح، ويشتد هبوبها فتنتزع زهور الكرز الوليدة وتبعثرها في سواد الليل.
وكانت (ساكورا) تلفظ آخر أنفاسها عندما سألت الجبل في ذهول هامس: "هل ماتت زهوري؟!"، لكن الجبل العجوز -ككل الجبال التي لا تحب الكلام- لم يرد، رغم أنه كان يرى كل زهور الكرز؛ بعضها يهبط -قبل الفجر بلحظات- فوق بيوت القليل من البشر الساهرين، حيث سيحيا إلى الأبد، في قلوبهم نهارًا وفي أحلامهم ليلًا، وبعضها تعود به الرياح إلى قلب السماء، ليصير إلى الأبد نجومًا يستطيع قليل من البشر الآن تمييزها عن النجوم الأخرى بتألُّقها المضطرب بطيف وردي شاحب، وأكثرها يهبط إلى الأرض، لتخرج منه كل أشجار الكرز التي يعرفها حتى اليوم كل البشر -في تلك البلاد في أقصى الأرض حيث تنام الشمس أولًا كل يوم- باسمها الحقيقي.
كُتبَت هذه القصة في 31/5/2012 ونُشرَت في كتاب "حكايات بعد النوم".

تعليقات
إرسال تعليق